اﻟﻤﻘﻌﺪ ﻭ ﺍﻟﺒﺤﺮ

اﻟﻤﻘﻌﺪ ﻭ ﺍﻟﺒﺤﺮ

ﺃﻧﺎ ﻫﻨﺎ ﻣﻨﺬ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﺑﻌﻴﺪﺓ، ﻻ ﺃﺫﻛﺮ ﺑﺎﻟﻀﺒﻂ ﺃﻭﻝ ﻳﻮﻡ ﻭﺟﺪﺕ ﻓﻴﻪ.. ﻟﻜﻨﻲ ﺃﻋﻠﻢ ﺃﻧﻲ ﻛﻨﺖ ﻣﻮﺟﻮﺩﺍ ﺩﺍﺋﻤﺎ.. ﻓﻘﻂ ﻟﻢ ﺃﻛﻦ ﻋﻠﻰ ﻫﻴﺄﺗﻲ ﻫﺎﺗﻪ.. ﻣﻨﺬ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﻓﻘﻂ ﺍﻛﺘﻤﻠﺖ ﻭﺍﺟﺘﻤﻌﺖ ﻓﺼﺮﺕ ﻣﺎ ﺃﻧﺎ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻵﻥ.

ﺃﻧﺎ ﺍﻵﻥ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻥ ﻣﺎ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻣﻨﺬ ﻭﺟﺪﺕ ﻭﺃﻧﺎ ﻫﻨﺎ ﺃﺳﻤﻊ ﺻﻮﺗﺎ، ﻛﺎﻥ ﻣﺨﻴﻔﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺪﺍﻳﺔ، ﻭﺍﻵﻥ ﺻﺎﺭ ﻣﺆﻧﺴﻲ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﻭﺍﻟﺪﺍﺋﻢ، ﻛﻞ ﻣﻦ ﺟﺎﻟﺴﻮﻧﻲ ﻛﺎﻧﻮا ﻓﻘﻂ ﻳﺮﻳﺪﻭﻥ ﻣﺘﻜﺄ ﻟﻬﻢ.. ﺟﺎءﺗﻨﻲ ﺃﺭﻭﺍﺣﻬﻢ ﻣﻨﻜﺴﺮﺓ، ﺟﻠﺴﻮﺍ ﻫﻨﺎ ﻭ ﺑﻜﻮﺍ ..ﺑﺤﺮﻗﺔ.. ﻛﺎﻧﺖ ﺩﻣﻮﻋﻬﻢ ﺗﺴﻴﻞ ﺗﻬﻄﻞ.. ﻭ ﻛﻨﺖ ﺃﻧﺎ ﺃﺟﻤﻊ ﺃﺭﻭﺍﺣﻬﻢ ﺍﻟﻤﻨﻜﺴﺮﺓ، ﺃﻋﺠﻨﻬﺎ ﺑﺪﻣﻮﻋﻬﻢ ﺗﻠﻚ ﺛﻢ ﺃﻋﻠﻨﻬﺎ ﺭﻭﺣﺎ ..ﺟﺪﻳﺪﺓ ﺻﺎﻓﻴﺔ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺍﻧﻜﺴﺎﺭ ﻭﻛﺎﻧﻮﺍ ﻳﺮﺣﻠﻮﻥ ﻓﺮﺩﺍ ﻓﺮﺩﺍ، ﻭﻛﻨﺖ ﺃﺑﻘﻰ ﻓﺮﺩﺍ ﻻ ﻣﺆﻧﺲ ﻟﻲ ﺳﻮﻯ ﺍﻟﺼﻮﺕ ﺍﻟﻤﺨﻴﻒ ﺍﻟﻤﻄﻤﺌﻦ.

ﺃﺗﺬﻛﺮ ﺃﻧﻲ ﺑﻜﻴﺖ ﻃﻮﻳﻼ ﻳﻮﻡ ﺍﺳﺘﺤﻀﺮﺕ ﻛﻼﻣﻬﻢ، ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻳﺠﻠﺴﻮﻥ ﻫﻨﺎ ﻓﻴﻨﻬﻤﺮ ﻋﻠﻲ ﻛﻼﻣﻬﻢ ﻛﺄﻧﻤﺎ ﺃﻓﺮﻏﻮﺍ ﻓﻮﻕ ﺭﺃﺳﻲ شاحنة ﻣﻦ ﺍﻷﺣﺠﺎﺭ، ﻛﺎﻧﻮا ﻳﻬﺪﻣﻮﻧﻨﻲ ﻟﻴﺒﻨﻮﺍ ﺃﺳﺎﺳﺎﺗﻬﻢ، ﻭﻛﻨﺖ ﻛﺎﻷﺣﻤﻖ ﺃﺳﻤﻊ، ﺃﻧﺼﺖ، ﺃﺑﻜﻲ، ﺃﺗﻬﺎﻭﻯ، ﺃﺗﻨﻬﺪ، ﺃﻧﻬﺪُّ، ﺃﺗﻬﺪﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﺍﺧﻞ.. ﻭﺃﺗﺼﻠﺐ، ﺃﺗﻘﺎﻭﻯ، ﺃﺗﻤﺎﺳﻚ، ﺛﻢ ﺃﺟﻤﻊ ﺃﺭﻭﺍﺣﻬﻢ ﻭﺃﻋﺠﻨﻬﺎ ﺑﺎﻟﺪﻣﻮﻉ.. ﺩﻣﻮﻋﻬﻢ ﻭﺩﻣﻮﻋﻲ.

– “ﻟﻘﺪ ﺯﺭﺕ ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻓﺄﺧﺒﺮﻧﻲ ﺃﻥ ﺑﻲ ﻣﺮﺿﺎ ﺧﻄﻴﺮﺍ ﻭﻋﻨﺪ ﺧﺮﻭﺟﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺸﻔﻰ ﺃﺧﺒﺮﻭﻧﻲ ﺃﻥ ﻋﻠﻲ ﺃﻥ ﺃﺩﻓﻊ ﻣﻘﺎﺑﻞ ﻫﺬﺍ ﻓﺪﻓﻌﺖ، ﺩﻓﻌﺖ ﻣﻦ ﻣﺼﺮﻭﻑ ﺍﻷﻭﻻﺩ.”

– “ﻻ ﺃﻋﻠﻢ ﻟﻤ ﻳﻜﺮﻫﻨﻲ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ، ﻛﻠﻤﺎ ﺍﻗﺘﺮﺑﺖ، ﺗﻘﺮﺑﺖ ﻣﻨﻬﻢ؛ ﻳﺒﺘﻌﺪﻭﻥ ﻋﻨﻲ ﻛﺄﻥ ﺑﻲ ﻣﺮﺿﺎ ﻣﻌﺪﻳﺎ.. ﻟﻘﺪ ﻛﺮﻫﺖ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﺳﺄﺭﻣﻲ ﺑﻨﻔﺴﻲ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﻷﺗﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺷﻲء…”

– ﻟﻘﺪ ﻋﻤﻠﺖ ﺑﺠﺪ.. ﻭﺳﻬﺮﺕ ﺍﻟﻠﻴﺎﻟﻲ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺍﻟﻈﻔﺮ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﺔ، ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻤﺪﻳﺮ ﺍﻷﺣﻤﻖ ﻟﻢ ﻳﺴﺄﻟﻨﻲ ﻓﻲ ﺃﻱ ﺷﻲء ﻣﻤﺎ ﺭﺍﺟﻌﺘﻪ، ﺳﺄﻟﻨﻲ ﻓﻘﻂ ﺇﻥ ﻛﻨﺖ ﺃﺳﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺃﺳﻬﺮ ﻣﻌﻪ ﺍﻟﻠﻴﻠﺔ “ﺃﺥ ﺗﻔﻮﻭﻭ” ﻻ ﻣﻜﺎﻥ ﻟﻠﻤﺒﺎﺩﺉ ﻓي ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻌﻔﻦ.”

ﺟﺎﺅﻭﻧﻲ ﻫﻜﺬﺍ.. ﻛﻞ ﻳﺤﻤﻞ ﺣﺠﺎﺭﺗﻪ ﻓﻲ شاحنته، ﻭﻛﺎﻧﻮﺍ ﻳﻠﻘﻮﻥ ﺑﻬﺎ ﻋﻠﻲ ﺛﻢ ﻳﺒﻜﻮﻥ وﺃﺑﻜﻲ
ﻟﻘﺪ ﺭﺣﻠﻮﺍ ﻓﺮﺩﺍ ﻓﺮﺩﺍ، ﻭ ﺑﻘﻴﺖ ﻫﻨﺎ ﻭﺣﺪﻱ ﺗﻐﻤﺮﻧﻲ ﺣﺠﺎﺭﺗﻬﻢ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺟﻨﺐ ﻭﺃﻧﺎ ﺃﺧﺘﻨﻖ، ﺃﺣﺘﺮﻕ ﻭﺃﺧﺘﺮﻕ ﺍﻟﺤﺠﺎﺭﺓ ﻓﺄﻛﺘﺐ ﻫﺬﺍ ثم ﺃﺳﻤﻊ ﺍﻟﺼﻮﺕ ﺍﻟﻤﺨﻴﻒ ﺍﻟﻤﺆﻧﺲ ﻳﻘﻮﻝ:

– “ﻻ ﺗﻌﺠﺐ ﻣﻦ ﺻﻮﺗﻲ ﺍﻟﻤﺨﻴﻒ ﻓﺎﻟﻌﺎﻟﻢ -ﻛﻞ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ- ﻳﻔﺮﻍ ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻗﻲ شاحنات ﺍﻟﺤﺠﺎﺭة -ﺣﺠﺎﺭﺗﻪ- ﻭﻻ ﻳﺨﺮﺝ ﻣﻨﻲ ﺳﻮﻯ ﺍﻟﺼﻮﺕ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺪﻣﻊ ﺍﻟﻤﻨﻬﻤر ﺃﺑﺪﺍ ﻋﻠﻰ ﺣﺒﺎﺕ ﺍﻟﺮﻣﻞ.

م.هـ

اﻟﻤﻘﻌﺪ ﻭ ﺍﻟﺒﺤﺮ
اﻟﻤﻘﻌﺪ ﻭ ﺍﻟﺒﺤﺮ

2 thoughts on “اﻟﻤﻘﻌﺪ ﻭ ﺍﻟﺒﺤﺮ

  • 2 يوليو، 2018 at 7:47 ص
    Permalink

    قصة جميلة من قاص جميل ..

    Reply
  • 30 يونيو، 2018 at 9:51 ص
    Permalink

    قصة قصيرة جميلة وحزينة وعميقة بعمق البحر
    تحمل أسرارا وخفايا كما البحر
    تحمل الجميل والمخيف كما في اليم
    تحمل لينا وقوة …آلاما وآمالا كما يحمل ذلك البحر أيضا.
    سلمت يداك … وسلم بحرك وراكبه… وسلم كل ركاب البحر منه…وسلم البحر أيضا من بعض السيئين من ركابه…

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Pin
+1
Share19
Tweet
19 Shares