المقاطعة … قوة اللافعل !!

تأثير الفعل وحدوده كلنا يعرفها، ولا يخفى على أحد أن حدود التأثير مرتبطة بقوة الفعل الممارس، فكلما كان الفعل أقوى كلما كان التأثير أكبر ونطاقه أبعد.

أما اللافعل أو الامتناع عن فعل شيء ما، وهو ما يمكن أن يصطلح عليه بـ “المقاطعة” فقوته وحدود تأثيره مرتبطة بالأساس بمدى ومدة وعدد الممتنعين بالإضافة إلى موضوع الامتناع … فكلما زاد فعل الامتناع (المقاطعة-اللافعل) وفاعلوه ومعهما مدة الامتناع، كلما كان التأثير أكبر وأكثر.

وقد أثبتت تجارب عدة عبر العالم مدى قوة تأثير المقاطعة التي طالما شكلت موقفا لأشخاص أو فئات ما، ضد سياسات أو أحداث أو أشخاص أو منتوجات ما، بموجبها –المقاطعة- نتجت خلاصات جديدة فرضت وضعا جديدا به أكدت المقاطعة عن قوة وتأثير اللافعل.

وقد عرفت المملكة المغربية منذ مدة وإلى حدود كتابة هذه الأسطر، حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى مقاطعة ثلاث شركات تنتج منتجات مختلفة. يقول الداعون إليها أنها ردة فعل عفوية وطبيعية ضد الارتفاع الفاحش في الأسعار، وتضرر القدرة الشرائية للمواطنين، ويطالبون بموجبها بتخفيض أسعار المنتجات لتتلاءم مع القدرة الشرائية للمواطن المغربي…

ولأن أسئلة كثيرة تروج في أوساط عموم الناس ممن شاركوا ويشاركون في حملة المقاطعة هذه، كما في صفوف غيرهم ممن قرروا عدم المشاركة فيها، حول ما الذي تحقق للمواطن من حملة المقاطعة؟ وهل أحدثت شيئا جديدا على الواقع؟ وكيف يمكن أن ينتهي الأمر؟

وبما أن المقال هذا مخصص لقراءة في مدى فعالية وقوة “اللافعل” -المقاطعة المغربية نموذجا- فإنه لا بد من ذكر واستحضار المعطيات والمراحل التالية لفهم الوضع:

 التجاهل، ففي الأيام الأولى لبداية حملة ما أطلق عليه “خليه يريب” برزت بعض المنشورات والتغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى عدم اقتناء منتجات شركات معينة (شملت شركة محروقات إفريقيا وشركة سنترال دانون وشركة المياه المعدنية سيدي علي)، وهي المنشورات التي تجاهلها المسؤولون الحكوميون، ومعهم مسؤولو الشركات المعنية بحملة المقاطعة، ولم يدلوا بأية تصريحات إعلامية بخصوصها كما حاولوا إبداء عدم اكتراثهم بما يحدث.

بداية التشويش، وهنا يبدأ تأثير “اللافعل”، فبعد أن اتسعت رقعة المقاطعة وعدد الداعين لها، تحركت بعض الجهات والأشخاص للتشويش على الحملة باتهام الداعين لها بالانتماء لحزب معين (العدالة والتنمية) وأنهم يعملون على تصفية حسابات سياسية بشنهم لهذه الحملة. ودعا أصحاب التوجه الجديد إلى عدم المشاركة في هذه الحملة “لأنها لا تمثل المغاربة بل الكتائب الإلكترونية لحزب معين يهدف إلى تصفية حسابات سياسية ضد حزب أو أشخاص آخرين”.

وهو التشويش الذي لم يقبله المقاطعون والداعون إلى المقاطعة، حيث أكد جلهم بأن حملتهم عفوية أفرزتها زيادات الأسعار وتأزم القدرة الشرائية للمواطن المغربي، كما أكدوا أن حزب العدالة والتنمية لا يمثلهم … وهو ما تأكد فعلا بانضمام أعداد أكبر بمن فيهم شخصيات مؤثرة من مشارب فكرية مختلفة لحملة المقاطعة.

 ردود الفعل الرسمية، فبعد كل محاولات التجاهل والتشويش التي لم تنجح في إيقاف حملة المقاطعة، وبدلا من الإنصات لنبض الشارع ومحاولة تحليل الأمور بمنطق سليم والتعامل معها بحضارية تليق بحضارية نوع “الاحتجاج” وسلميته، شن بعض المسؤولين السياسيين في الحكومة والبرلمان، كما بعض مسؤولي الشركات التي شملتها حملة المقاطعة هجوما لفظيا قدحيا على المشاركين والداعين للمقاطعة، تراوح بين السب والتجريح والتخوين حملته بعض عبارات هؤلاء “المسؤولين” من قبيل: الخونة – القطيع – المداويخ … وهو ما تسبب في احتقان أكبر وفي إعلان مغاربة آخرين عن انضمامهم لحملة المقاطعة، منهم فنانون ورياضيون وموظفون من شتى القطاعات الحكومية.

سياسات التهديد والوعيد، ولأن كل محاولات التجاهل، التشويش، التخوين وغيرها من الأساليب التي انتهجت لإيقاف حملة المقاطعة فشلت.

وفي خطوة غريبة وغير مفهومة لجأت الحكومة المغربية على لسان ناطقها الرسمي إلى أسلوب التهديد والوعيد بـ “السجن والمتابعة القضائية والغرامات المالية لكل من يروج لـ………”، وهو ما أثار استياء وغضبا واسعا في صفوف المغاربة وأجج الوضع أكثر. فبعد اعتقاد المغاربة أن الحكومة ستنصفهم بالتدخل لإيجاد الحلول المناسبة بوصفها منتخبة لخدمتهم والسهر على شؤونهم والإنصات لهمومهم وانتظاراتهم، إذ بها تهددهم وتتوعدهم بالعقاب…فما كان من الداعين لحملة المقاطعة إلا أن أبدوا استغرابهم واستياءهم واستهزاءهم بخرجة الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية في منشورات وتغريدات اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، وأعلنوا مجددا تشبثهم واستمرارهم في مقاطعة الشركات المعنية إلى حين تخفيض الأسعار.

 نقطة التحول في الخطاب الرسمي: قوة تأثير المقاطعة بدأت تتأكد بخرجات إعلامية لمسؤولين ضمن الحكومة وكذلك لمسؤولي بعض الشركات التي استهدفتها حملة المقاطعة.

ففي تدونية لإحدى البرلمانيات كانت قد وصفت فيها المشاركين في حملة المقاطعة بـ “القطيع” قبل أن تسحب العبارة، سارعت المعنية بالأمر إلى الاعتذار من المغاربة وتأكيد عدم قصديتها.

وفي خطاب مناف ومتعارض مع ما حملته بعض الخرجات السابقة من لدن بعض المسؤولين الحكوميين وردت فيه عبارات قدحية، وأخرى تهديدية للداعين والمشاركين في حملة المقاطعة، دعا رئيس الحكومة المغربية الدكتور سعد الدين العثماني إلى التسامح وطي الصفحة في إطار ما اعتبره البعض اعتذارا عن تصريحات بعض الوزراء والمسؤولين الحكوميين التي ساهمت في تأجيج الوضع أكثر.

وصرح المسؤول الحكومي ذاته بما مضمونه أن الحكومة تتفهم مطالب المقاطعين وتقوم بدراسة الوضع….

وفي سياق التحول في الخطاب دائما، وبشكل واضح وصريح أعلن مسؤول كبير في شركة “سنترال دانون” التي شملتها حملة المقاطعة عن اعتذاره من الشعب المغربي عن وصفه للمشاركين في الحملة “بالخونة”، كما خرج أحد كبار المسؤولين عن نفس الشركة بتصريح مفاده أن ما صدر عن المسؤول الأول لا يمثل الشركة، وأنه رأي شخصي للمعني بالأمر…

وبهذا تكون حملة المقاطعة قد أرست لثقافة اعتذار المسؤولين عند الخطإ وهو مالم يكن من قبل، وهي خطوة أولى في اتجاه التجاوب مع نبض الشارع بهمومه وآهاته.

فضح بعض المستور: فقد تسببت حملة المقاطعة التي خاضتها وتخوضها شريحة واسعة من الشعب المغربي في ارتباك في المشهد السياسي، أفرز معطيات كانت طي الكتمان، حيث تبين من خلال تصريحات بعض البرلمانيين وكذا المسؤولين الحكوميين أن مجلس المنافسة كان معطلا وهو ما يعني بشكل أو بآخر غياب تكافؤ الفرص بفرض الرقابة والشفافية بخصوص المنافسة وتحديد الأسعار.

كما تم الكشف عن تقرير الملف المتعلق بالمحروقات منذ تحرير الأسعار، ليتبين أن الشركات حققت أرباحا بملايير الدراهم على حساب القدرة الشرائية للمواطن المغربي بعد اعتماد نظام المقايسة أكثر مما كان عليه الوضع قبلها، وهذا ما أسقط أوراق التوت عن بعض السياسيين الذين عرقلوا أو لم يساعدوا فيما قبل على إصدار التقرير الذي بين مدى استخفاف بعض المنتفعين من استغفال المواطنين وحرمانهم من الوصول إلى المعلومة كما ينص على ذلك دستور المملكة.

اللاتوازن في القرارات والتوجهات الحكومية والحزبية: قوة اللافعل (المقاطعة) برزت جليا في الصورة التي ظهرت عليها مكونات الحكومة حتى بين أعضاء الحزب الواحد منها، ففي الوقت الذي كانت تصريحات رئيس الحكومة المغربية في إطار محاولة إيجاد حل/حلول في طور الدراسة تهم أسعار المحروقات، وتفهمه لبقية المطالب… خرج وزير من الحكومة من نفس حزب رئيس الحكومة ليحتج أمام البرلمان مع بعض عمال شركة سنترال دانون التي تأثرت سلبا بحملة المقاطعة، ليحدث ذلك عاصفة من السخرية والغضب الشعبي على الحكومة وعلى الوزير المعني بالأخص…فذهبت بعض التعليقات على مستوى التواصل الاجتماعي للقول بضرورة تقديم الشعب استقالته للحكومة لأنه فشل والحكومة خرجت لتحتج عليه في شخص أحد وزرائها، فيما اتهمت تغريدات أخرى الحكومة بالدفاع عن أصحاب رؤوس الأموال وأرباب الشركات بدل إنصاف جيوب المواطنين المقهورة…

بعد ما أثارته خرجة الوزير المعني بالأمر من انتقادات كبيرة بعضها من قادة داخل حزبه، سارع بطلب إقالته من منصبه الحكومي تخفيفا للآثار السياسية والمجتمعية السلبية التي ستترتب جراء مشاركته غير المحسوبة في وقفة احتجاجية لازال المغاربة يتساءلون ضد من كانت ولصالح من.

هنا لا بد وقفة مهمة، فالوضع المرتبك الذي أفرزته قوة اللافعل/الامتناع أو لنقل المقاطعة لم تتوقف عند هذا الحد، فطلب الإقالة المقدم حسب بلاغ أول حينها من حزب العدالة والتنمية قدم للأمانة العامة للحزب وليس لرئيس الحكومة كما يقتضي ذلك الأمر من الناحية الدستورية، التي تستوجب في هذه الحالة أن يرفع رئيس الحكومة لملك البلاد طلب إعفاء العضو أو الأعضاء المعنيين بالأمر سواء بطلب منهم أو بمبادرة منه.

وهذا الحدث الذي مر بشكل عادي على البعض ليس أمرا عاديا بالمرة، فالحكومة حكومة كل المغاربة وليست حكومة حزب معين وأعضائه دون بقية المكونات المؤسساتية والمجتمعية المغربية لبلد المغرب.

ولأن الأمر غاية في الخطورة من الناحية المؤسساتية، -وربما بتدخل أو تنبيه من جهة أو جهات معينة-سارع المسؤولون الحزبيون في بيت المصباح إلى نفي قاطع لتدارس اجتماع الأمانة العامة للحزب طلب إقالة الوزير الداودي…أو تقديمه استقالة من عضويته الحكومية للأمانة العامة للحزب رغم التصريح الصحفي والبلاغ الذي سبق وصدرا عن الأمانة العامة للمصباح اللذان أفادا بتدارس موضوع استقالة الوزير المعني…

من هذا كله، ومن غيره من التفاصيل التي لا يمكن ذكرها لكثرتها وتداخلها تتضح قوة تأثير اللافعل (المقاطعة) التي تترجمها كلمات دالة في الشارع المغربي “مابغيتش….. “- “……لا” – “إلى غي …….ما شاربش”  – “إلى ماعندكش….. مانديش” – “الله يخليك ماتعطينيش…..”- “لا يا أخي مانمشيوش لـ….” – “سمحلي خويا ماخاصنيش، الناس ما بقاتش باغيا تشري ….”- “لا …. ماشي للبيع أخاي”… فهي عبارات تدل على الامتناع عن شراء أو بيع منتجات معينة.

ويبدو أن حملة المقاطعة التي شهدتها المملكة المغربية لها ما بعدها، فقد حققت أمورا كثيرة وكبيرة على أرض الواقع يعيها المسؤولون جيدا، وعليهم أن يلتقطوا رسائلها بالبساطة المطلوبة، ويتعاملوا معها بإيجابية وحضارية.

 ولعل من بين الإشارات والرسائل والخلاصات التي يمكن التقاطها من حملة المقاطعة ما يلي:

  • تدهور القدرة الشرائية للمواطن المغربي بفئتيه المتوسطة والهشة، وهذا يستوجب من الحكومة التدخل لإعادة التوازن بين قدرة المواطن الشرائية وأسعار ضروريات الحياة حفاظا على السلم الاجتماعي في البلد.
  • وعي فئات الشعب المشاركة في هذه الحملة بقوة الوحدة والتكاثف للتأثير وإسماع الصوت.
  • سلمية وحضارية الداعين والمشاركين في حملة المقاطعة بتجنبهم للتظاهر الميداني وما يمكن أن يفرزه من انفلات للوضع الأمني.
  • رد فعل المسؤولين بداية كان صادما ومستفزا أجج الوضع، وحاليا لا يزال دون التطلعات ما دامت الأسعار على حالها والحملة مستمرة.
  • قدرة الشارع المغربي أو بعض فئاته الدفاع عن ملفاتهم عبر الإعلام البديل في ظل صمت بدى رهيبا للإعلام الرسمي حتى وحملة المقاطعة في أوجها، وحين أطلق آلته أطلقها متأخرا مقارنة بما كان يفرضه الوضع.
  • إمكانية محاسبة أي مسؤول بواسطة الإعلام البديل بوضعه أمام وعوده السابقة ومسؤولياته الحالية ونتائج عمله على أرض الواقع، وهذا الضغط الإعلامي سيقلص من عدد المتهافتين على المناصب بغرض الانتفاع الشخصي على حساب مصالح الوطن والمواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

28 Shares
Share28
+1
Tweet
Pin