الأساتذة “المتعاقدون” في مسيرة الكرامة وإثبات مظلومية الملف وعدالة القضية

في مسيرة دالة من حيث الزمان والمكان والعدد، خاض الأساتذة المنضوون تحت إطار “التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد” مسيرة وطنية بمدينة مراكش شارك فيها آلاف الأساتذة والأستاذات تزامنا مع انعقاد منتدى الأمم المتحدة حول الوظيفة العمومية.

وبدى جليا لكل المتتبعين أن اختيار الزمان والمكان، وكذا قوة الإنزال الميداني كانت ذات مغزى ودلالات واضحة.

فمن حيث المكان، اختيار مدينة مراكش للتظاهر وإسماع الصوت واضح أنه لم يكن محض الصدفة، خصوصا وأن العرف العام اقتضى بأن تتظاهر الفئة المتضررة أمام الإدارة التي تتبع لها… بينما اختارت هذه الفئة أن تنفذ مسيرتها في مدينة مراكش العالمية، وكأنها رسالة لمسؤولي قطاع التربية الوطنية ومعهم باقي المتدخلين في الوظيفة العمومية بأن هذه الفئة من نساء ورجال التعليم قررت أن تسمع صوتها وتوصل مظلومية ملفها للعالم عبر السياح الذين تعج بهم المدينة الحمراء، بعد عدم تجاوب الإدارات المعنية مع مطالبهم.

وقد يفهم من اختيار مراكش كمدينة للتظاهر هذه المرة، حرص الأساتذة المشاركين في هذه المسيرة على عدم حدوث تدخلات أمنية تقمع المسيرة، وبالتالي تجنيب الأساتذة والأستاذات لأي احتكاك أو إصابات كان يمكن أن تحصل لو نظمت المسيرة بالعاصمة الرباط، فحساسية المدينة الحمراء بسياحها تشكل إلى حد كبير حصنا للفئات المتضررة ضد التدخلات الأمنية التي تهدف إلى تفريق المظاهرات ومنع التجمهر.

أما من حيث الزمان، فقد اختار القيمون على تسيير هذه التنسيقية يوم السبت الثالث والعشرين 23 من يونيو 2018 والذي تزامن مع انعقاد منتدى الأمم المتحدة للوظيفة العمومية، فيما بدى رسالة هادفة وواضحة للحكومة والمجتمع وللعالم على أن بالمغرب عشرات الآلاف، وبعدهم ربما سيأتي مئات الآلاف من “الموظفين في وضع هش” رغم أدائهم لأهم وأسمى الخدمات العمومية على الإطلاق ألا وهي التربية والتعليم.

وبالإضافة إلى دلالات اختيار الزمان والمكان، فلقوة الإنزال الميداني الذي كان بالآلاف، ولحسن التنظيم، إشارات ورسائل واضحة على أن هذه الفئة من رجال ونساء التعليم مقتنعة بمظلومية ملفها وعدالة قضيتها، ومستعدة للتضحية والنضال من أجل تحقيق مطالبها. فالواقع والميدان دائما هما المقياس لمدى إحساس فئة بمظلومية ملفها، ومعيار لمدى استعدادها للدفاع عنه…وبالوقفات الاحتجاجية التي خاضتها الفئة التي أصبحت تعرف بـ”الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد” وبالمسيرة الضخمة الوطنية الأولى، ومعها مسيرة الجمعة الأخيرة تكون قد أكدت فئة رجال ونساء التعليم تلك على إحساسها العميق بعدالة ومشروعية مطالبها، وأرسلت رسائل مفادها أنها مستعدة لتحقيقها بالنضال الميداني…

ويبقى السؤال المطروح، هل ستلتقط الإدارات المعنية بملف هذه الفئة الإشارات والرسائل الدالة لمسيرة مراكش، وتفتح حوارا مسؤولا مع ممثلي “تنسيقية الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد”؟ أم أن سياسة التجاهل وغياب الانفتاح على الفئات المتذمرة -ولو كانت بعشرات الآلف- هي التي ستحكم موقف الإدارة؟ وهو ما قد يؤشر على دخول مدرسي مقبل ساخن !

تلك أسئلة تفرض نفسها بإلحاح في ظل الجو المكهرب والمتوتر في قطاع التعليم المغربي كما في قطاعات أخرى… أسئلة، ستجيب عنها الأيام وربما الأشهر القادمة.

يذكر أن مسيرة “الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد” جاءت تنفيذا لقرار المجلس الوطني لتنسيقية هذه الفئة، والذي دعا إلى مسيرة وطنية ممركزة بمراكش نفذت يوم السبت 23/06/2018.

ومن بين أهم مطالب هذه الفئة من نساء ورجال التعليم ما يلي:

-إسقاط المرسوم المنظم للتوظيف بالتعاقد، وإدماجهم في أسلاك الوظيفة العمومية على غرار زملائهم المرسمين: حيث ترى هذه الفئة من نساء  ورجال التعليم، ومعهم فئة عريضة من المجتمع المغربي، بأن التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم يؤسس لثقافة بئيسة للتمييز بين أساتذة مرسمين وآخرين متعاقدين، علما بأن المهام المنوطة بكل منهم هي نفسها، مما يضرب الاستقرار النفسي والاجتماعي والمهني لرجال ونساء التعليم وينعكس سلبا على العطاء والمردودية داخل فصولهم الدراسية.

-التراجع عن قرارات إدارية طرد على إثرها مجموعة من الأساتذة “المتعاقدين” بكل من بولمان وزاكورة، بالإضافة لأستاذين متدربين من مركز آسفي، إذ يقول الأساتذة المحتجون أنها قرارات تعسفية بتقارير كيدية تهدف إلى تكميم أفواههم وردعهم عن ممارسة حقهم المشروع في الإضراب والمطالبة بالحقوق.

وتوعدت “التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد” في بيانها الختامي بتصعيد احتجاجاتها ما لم تتم الاستجابة لمطالبها، وأكدت على أنها تبقى الممثل الوحيد والأوحد لهذه الفئة من الأساتذة…وضمنت ذات البيان شكرا لكل الإطارات النقابية والهيئات السياسية والجمعوية والإعلامية المشاركة في مسيرتها.

جدير بالذكر، بأن هذه الفئة تعرف رسميا بـ “الأساتذة المتعاقدين” أو، “الأساتذة موظفوا الأكاديميات”، لكن رجال ونساء التعليم وفئة من المتعاطفين معهم يطلقون عليهم اسم “الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد” في إشارة للإكراه والغبن الذي لحقهم جراء توقيعهم على عقود “الإذعان ” التي جمعتهم بالأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، في ظل غياب الحق في التفاوض حول بنود العقد الموقع سواء في جزء منه أو في كليته، وعدم قدرتهم على المطالبة لحظتها بالإدماج في الوظيفة العمومية…

“كانوا بين إكراهين، إكراه واقع العطالة وضياع سنين الجد والاجتهاد، وإكراه التوقيع على عقد مجحف وهش قد يحرمهم منصبهم في أي لحظة بتقارير إدارية صحيحة أو كيدية… زد على ذلك، نرى أن جل الأبناك ترفض إقراضهم، ولا تخفى نظرة بعض الجهل لهم على أنهم أساتذة من درجة ثانية في الوقت الذي أبان فيه جلهم عن كفاءة ومهنية عالية، وأعطوا لمؤسسات تعيينهم قيمة إضافية ولمسة خاصة…” يقول أحد الأساتذة في تبريره لتضامنه مع هذه الفئة رغم عدم انتمائه لها… ويضيف بأن “التوظيف بالتعاقد سيهدم ما تبقى من المدرسة العمومية، فليس ثمة ضرر أسوء على المدرسة العمومية أكثر من إحساس المدرس بهشاشة وضعه الإداري والاجتماعي … وللأسف هذا ما حصل ويحصل في ظل استمرار سياسة التوظيف بالتعاقد”.

وبالمسيرة الضخمة للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، وقبلها إضرابات بعض الموظفين التابعين لقطاعات حيوية أخرى كالصحة والعدل، وفي ظل مقاطعة شريحة واسعة لمنتجات بعض الشركات، وتقلص عدد جماهير موازين، وقبل كل ذلك ما عرفته الحسيمة وجرادة من حراك …ومع عدم توصل الحكومة مع الشركاء الاجتماعيين لأي اتفاق يحفظ السلم الاجتماعي في ظل الهشاشة الحاصلة مقابل ارتفاع الأسعار…في ظل كل هذه المعطيات يبدو أن هناك رسائل وإشارات تذمر وإحساس بالغبن من لدن الفئات الهشة والمتوسطة من الشعب المغربي وهو ما يستوجب -لزاما- من الحكومة بمختلف قطاعاتها تحليل وتقييم الأوضاع الاجتماعية ومراجعة سياساتها بهدف التخفيف من الاحتقان والغبن الحاصل، قياما بمسؤولياتها وضمانا للسلم الاجتماعي للبلد.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Pin
+1
Share108
Tweet
108 Shares